ابن عربي
335
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
أقول له : يا أخي ، ربما دعوت لك في وقت الإجابة ، فعرّفني بمرادك . قال : فكتب إليّ : يا أخي ، شهوتي ومرادي في قلب منوّر ، ووجه مصفر ، وثوب مشمّر ، وقوت مقتّر . ومن باب السماع ، ما ذكره ابن الرميلة في إيضاح مصون الصوفية ، قال : كان بعض الفقراء يمشي في الأسواق ، فسمع بعض الباعة يصيح : الجلبان ، فغشي عليه ، فاجتمع عليه الناس ، فلما أفاق قال : حبيبي كيف قلت : جلّ بذاته ، فما يحسّ ولا يرى ، وبان عن مخلوقاته ، فلا يشبهه شيء من الورى ؟ وسمع رجل آخر ، وهو بائع موز ، وهو ينادي : انفتل واستوى ، فغشي عليه ، فلما أفاق ، قال : حبيبي ، كيف قلت : انفتل ولي اللّه عن معصية اللّه ، واستوى على طاعة اللّه ؟ قلت : وماشيت عبد اللّه ابن الأستاذ ، وكان من السادة عند باب الفتح من باب إشبيلية ، فسمع بائع خسّ من العامة وهو ينادي عليه : الخاص رطب أبيض ، فتأوّه وأخذته حالة من ذلك ، وكان قويا ، فقال لي : يا أخي ، أما تسمع ما يقول هذا البائع ؟ الخاص من عباد اللّه لسانه رطب من ذكر اللّه ، وقلبه أبيض من نور اللّه . وماشيت بعضهم أيضا بقرطبة عند باب بياضة حيث دار السلطان ، فإذا جماعة من الأجناد خرجوا من دار السلطان ، يقول بعضهم لبعض : جاءت الرسل من قلعة رباح ، فاهتزّ الفقير ، وقال : يا أخي ، أما تسمع لهؤلاء الأجناد ما يقولون ؟ قلت : وما قالوا ؟ قال : جاءت الرسل عليهم السلام ، يقولون : من قلع عن معصيته ، ربح ما عند اللّه . حدثنا محمد بن قاسم ، قال : كان إلى جانبي شاب مسرف على نفسه ، فلزم بيته ، وأظهر توبته ، وكان ممن لا يطمع في خلاصة ، فقمت له مهنئا له بسلامته ، فرأيته في حالة حسدته عليها : دمع يستبق ، وفؤاد يحترق ، وقد تجرّد من قدرته ، وتعرّى من زلّته ، والتحف برداء فقره وذلّته ، فسلّمت عليه ، وقلت له : كيف قدمت من سفر زلّتك ؟ وكيف تخلصت من سجن غفلتك وصرت إلى حرم قربتك ؟ فقال لي : يا شيخ ، قمت يوما على عادتي عن بعض ما كنت عليه من المخالفة ، فدخلت الحمام ، فاغتسلت ، ثم خرجت ، فمررت بمسجد ، فقلت : أنا على طهارة لو دخلت وصلّيت ، وجعلت أمشي مشية المحسن المذكر ، فقام إليّ شيخ عليه سيماء الصالحين ، فقال لي : من كان على ما كنت عليه من سوء المعاملة مع اللّه لم تكن هذه مشيته في بيته ، أما علمت يا بني أن الأرض تعلنك من تحت قدميك ؟ قال الشاب : فسقطت من كلامه وهيبته على وجهي ، وغلب عليّ الحياء من ذكره ، فعقدت التوبة فيما بيني وبين اللّه تعالى . فهذا يا سيدي كان سبب توبتي . وأنشدني أبو عبد اللّه الكتاني لبعضهم :